الدكتور أوس معن الجمّال
عيون الأطفال

الحول عند الأطفال: متى ينتظر الأهل ومتى يراجعون؟

بقلم د. أوس معن الجمّال5 أيلول 20267 دقائق للقراءة
الحول عند الأطفال: متى ينتظر الأهل ومتى يراجعون؟
مشاركة

من أكثر ما يقلق الأهل أن يلاحظوا أنّ عين طفلهم "تزيغ" أو لا تنظر في الاتجاه نفسه مع الأخرى. وكثيراً ما يُقال لهم: "لا تقلقوا، سيكبر ويتحسّن من تلقاء نفسه."

هذه النصيحة صحيحة أحياناً، وخطيرة أحياناً أخرى. والفارق بين الحالتين يتعلّق بعمر الطفل، وبما تراه العين تحديداً.

أولاً: الحول الكاذب

قبل الحديث عن الحول الحقيقي، ينبغي التطرّق إلى حالة شائعة جداً تُقلق الأهل بلا داعٍ.

كثير من الرضّع — خصوصاً ذوي جسر الأنف المنخفض أو الطيّة الجلدية الواسعة عند الزاوية الداخلية للعين — تبدو أعينهم وكأنّها متّجهة إلى الداخل، بينما تكون في الحقيقة متوازية تماماً. فالطيّة الجلدية تغطّي جزءاً من بياض العين من الجهة الداخلية، فيبدو السواد أقرب إلى الأنف ممّا هو عليه فعلاً.

هذا ما يُسمّى الحول الكاذب، وهو ليس مرضاً ولا يحتاج إلى علاج، ويزول مظهره تدريجياً مع نموّ عظام الوجه.

لكن — ولهذا أهمية كبيرة — لا يمكن للأهل التفريق بين الحول الكاذب والحول الحقيقي بالنظر. ولا يمكن لغير المختصّ أن يجزم. والفحص هو ما يحسم الأمر، وهو فحص بسيط وسريع.

فإن شككت، اعرض طفلك. وإن كان الأمر حولاً كاذباً فستخرج بطمأنينة حقيقية بدل طمأنينة مبنيّة على التخمين.

متى يكون الحول طبيعياً؟

في الأسابيع الأولى من العمر، لم يكتمل بعد التناسق بين عضلات العينين. ومن الطبيعي أن تلاحظ زيغاناً عابراً في عيني رضيعك، خاصة حين يكون متعباً أو نائماً أو يحاول التركيز على شيء قريب.

لكن هذه المرحلة لها حدّ زمني.

بعد عمر ثلاثة أشهر، ينبغي أن تكون عينا الطفل متوازيتين بصورة ثابتة. وأيّ حول يستمرّ بعد هذا العمر — أو يظهر بعده — يستدعي فحصاً متخصّصاً. لا انتظاراً، ولا "لنرَ ما يحدث".

وكذلك أيّ حول يظهر فجأة في أيّ عمر، حتى لو كان الطفل سليماً قبله تماماً.

أنواع الحول

يُسمّى الحول بحسب اتجاه انحراف العين:

  • الحول الداخلي — تنحرف العين نحو الأنف. وهو الأكثر شيوعاً بين الأطفال الصغار.
  • الحول الخارجي — تنحرف العين نحو الخارج. وكثيراً ما يبدأ متقطّعاً: يظهر حين يكون الطفل متعباً أو شارداً أو ينظر إلى بعيد، ويختفي في أوقات أخرى. وهذا التقطّع لا يعني أنّه غير مهمّ.
  • الحول العلوي أو السفلي — تنحرف العين إلى الأعلى أو الأسفل.

وقد يكون الحول ثابتاً في عين واحدة، أو متناوباً بين العينين. وقد يكون دائماً أو متقطّعاً.

ومن الأسباب المهمّة التي ينبغي ذكرها: بعض حالات الحول الداخلي سببها طول نظر غير مصحّح. فالطفل الذي يعاني طول نظر يبذل جهداً كبيراً في التركيز، وهذا الجهد يسحب العين إلى الداخل. وفي هذه الحالات قد تكون النظارة وحدها كافية لتقويم الوضع تماماً — دون أيّ جراحة.

الخطر الحقيقي: كسل البصر

هنا لبّ الموضوع، وهو ما يغيب عن كثير من الأهل.

المشكلة الأساسية في حول الطفولة ليست شكل العين. بل ما يفعله الدماغ استجابة له.

حين لا تنظر العينان في الاتجاه نفسه، يصل إلى الدماغ صورتان مختلفتان. والدماغ الصغير لا يحتمل هذا التعارض، فيحلّه بأبسط طريقة ممكنة: يتجاهل الصورة القادمة من العين المنحرفة.

ومع الوقت، وبسبب قلّة الاستعمال، يضعف المسار العصبي بين تلك العين والدماغ. فتصبح العين سليمة في تركيبها، لكنّ الدماغ لم يعد يحسن استعمالها. وهذا ما نسمّيه كسل البصر أو الغمش.

والنقطة الحاسمة هي التوقيت. فقدرة الدماغ على إعادة تعلّم استعمال العين الضعيفة تبقى مفتوحة خلال سنوات الطفولة الأولى، ثم تتضاءل بوضوح بعد عمر سبع إلى ثماني سنوات.

وهذا يعني أنّ:

  • كسل بصر يُكتشف في عمر ثلاث سنوات قابل للعلاج بدرجة كبيرة
  • وكسل بصر نفسه يُكتشف في عمر عشر سنوات قد يكون ضعف النظر فيه دائماً

الوقت هو العلاج. وكلّ شهر تأخير في هذه المرحلة له ثمن.

ويضاف إلى ذلك أنّ الطفل المصاب بكسل البصر لا يشتكي. فهو لم يعرف رؤية أفضل ليقارن بها، ويرى جيداً بعينه السليمة فيتصرّف بصورة طبيعية تماماً. ولهذا لا يُكتشف كثير من الحالات إلا صدفة في فحص روتيني.

علامات تستدعي المراجعة العاجلة

معظم حالات الحول عند الأطفال لا تنذر بمرض خطير. لكنّ الحول قد يكون أحياناً أول علامة على مشكلة تحتاج إلى تدخّل سريع.

راجع الطبيب خلال أيام قليلة — لا أسابيع — إن لاحظت أيّاً ممّا يلي:

  • بياض أو بريق غير طبيعي في بؤبؤ العين، خاصة في الصور الملتقطة بالفلاش، حيث يظهر البؤبؤ أبيض بدل الأحمر
  • حول ظهر فجأة، لا سيما إذا صاحبته شكوى من ازدواج الرؤية
  • عدم قدرة العين على الحركة في اتجاه معيّن
  • إمالة الرأس أو لفّه بصورة ثابتة لينظر الطفل بوضعية معيّنة
  • اهتزاز لا إرادي في العينين
  • صداع متكرّر أو تقيّؤ أو تغيّر في توازن الطفل أو سلوكه
  • تدلٍّ في الجفن ظهر حديثاً

هذه العلامات لا تعني بالضرورة وجود مشكلة خطيرة، لكنّها تعني أنّ الفحص لا يحتمل التأجيل.

كيف يُفحص الطفل؟

فحص عيون الأطفال لا يتطلّب من الطفل أن يقرأ أو أن يتعاون كثيراً. فهناك وسائل تناسب كلّ عمر، بما في ذلك الرضّع.

يشمل الفحص عادةً:

  • تقييم محاذاة العينين بوسائل بسيطة تعتمد على مراقبة انعكاس الضوء وتغطية كلّ عين بالتناوب
  • قياس قوة الإبصار في كلّ عين على حدة، بطرق تناسب عمر الطفل
  • فحص قوة النظر بعد توسيع الحدقة — وهذا ضروري عند الأطفال، لأنّ قدرتهم الكبيرة على التركيز تخفي درجات النظر الحقيقية إن لم تُشلّ مؤقتاً بالقطرات
  • فحص قاع العين للتأكّد من سلامة الشبكية والعصب البصري

وتحتاج قطرات التوسيع إلى وقت لتعمل، وتبقى رؤية الطفل القريبة مشوّشة وعيناه حسّاستان للضوء لساعات بعدها. فاحسب وقتاً كافياً للموعد، وأحضر معك ما يسلّي طفلك أثناء الانتظار.

العلاج

يُحدَّد العلاج بحسب نوع الحول وسببه وعمر الطفل، وغالباً ما يُجمع بين أكثر من وسيلة:

النظارة. الخطوة الأولى في كثير من الحالات. وحين يكون السبب طول نظر غير مصحّح، قد تصحّح النظارة وحدها وضع العينين تماماً. ومن المهمّ أن يرتديها الطفل باستمرار لا عند الحاجة فقط.

تغطية العين السليمة. حين يوجد كسل بصر، تُغطّى العين الأقوى لساعات محدّدة يومياً، ممّا يجبر الدماغ على استعمال العين الضعيفة فتقوى تدريجياً. وهذه المرحلة تحتاج إلى صبر من الأهل، لأنّ الطفل غالباً يقاومها — فهو يرى أسوأ حين تُغطّى عينه الجيدة. لكنّ الالتزام هنا هو ما يحدّد النتيجة.

قطرات الأتروبين. بديل عن التغطية في بعض الحالات. تُوضع في العين السليمة فتشوّش رؤيتها القريبة مؤقتاً، فتعمل عمل الغطاء دون حاجة إلى لاصق يرفضه الطفل.

الجراحة. تُجرى على العضلات التي تحرّك العين، لتعديل شدّها بما يعيد العينين إلى التوازي. وهي عملية شائعة ومأمونة عند الأطفال، وتُجرى تحت تخدير عام، ويعود الطفل إلى البيت في اليوم نفسه عادةً. ومن المهمّ أن يعرف الأهل أنّ الجراحة تصحّح وضع العين، لكنّها لا تعالج كسل البصر— وهذا يعالَج قبلها أو بعدها بالنظارة والتغطية. وبعض الحالات تحتاج إلى أكثر من عملية.

الخلاصة

الحول عند الرضيع في أسابيعه الأولى قد يكون طبيعياً. أمّا بعد عمر ثلاثة أشهر فلا.

والخطر لا يكمن في مظهر العين، بل في أنّ الدماغ قد يتعلّم تجاهلها — وأنّ نافذة تصحيح ذلك تضيق مع كلّ سنة تمرّ، حتى تكاد تُغلق بعد السابعة أو الثامنة.

والطفل لن يخبرك. فهو لا يعرف أنّ هناك ما هو أفضل.

فإن لاحظت حولاً مستمرّاً في عيني طفلك، أو شككت ولو قليلاً، فاعرضه على طبيب عيون. الفحص بسيط، والنتيجة قد تكون طمأنينة كاملة — أو تدخّلاً مبكّراً يحفظ بصره مدى الحياة.

المحتوى في هذا المقال لأغراض تثقيفية عامة فقط، ولا يُعد تشخيصاً طبياً ولا يغني عن مراجعة الطبيب شخصياً.

مقالات ذات صلة

هل لديك سؤال حول هذا الموضوع؟

تواصل مع العيادة عبر واتساب أو الاتصال المباشر.

واتساباتصال